قصص
الصحة الإنجابية في سورية مشفى التوليد وأمراض النساء الجامعي بدمشق نموذجا واقعيا
01/01/2008  | UNFPA



أمهاتنا تلد وتحلم

ويمتن بصمت جارح

 

يهدف المجتمع الدولي إلى تحسين  الصحة الإنجابية  على الصعيد العالمي عبر تخفيض معدل الوفيات لدى الأمهات الحوامل والأطفال الخدج ، غير أنه ومن خلال النمط الحالي  لن يتمكن المجتمع الدولي من تحقيق هذه الأهداف لاسيما في منطقة الشرق المتوسط.

 

و تعود حالات الوفاة لدى الأمهات الحوامل  إلى واحدة من أسباب خمس هي :

 

النزيف ، الإلتهابات ، الإجهاض غير الآمن ، التعثـّر في عملية الولادة ، و إرتفاع ضغط الدم لدى الحامل وهذه الأسباب يمكن تفاديها  .

 

بناءً على ذلك ، تتجه خدمات الصحة الإنجابية نحو تفعيل مجالات الحصول على المشورة حول مضاعفات الحمل ، والحمل غير المرغوب به و الأمراض المنقولة جنسياً والإيدز وإنعكاسات الإجهاض غير المأمون.

وقد بات مؤكداً أن تقديم خدمات صحة إنجابية ذات نوعية وجودة عالية ، لاسيما في مجال تنظيم الأسرة ، هو عامل أساسي للتخفيف من النمو السكاني الهائل في المنطقة. ونتيجة ذلك  دعمت معظم دول المنطقة خلال السنوات العشر الماضية لخدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة بما في ذلك التثقيف وتقديم المعلومات، من خلال برامج الرعاية الصحية الأولية.

 

في هذا المجال اتخذت وزارة الصحة في سورية خطوات عديدة لتحقيق الأهداف المرسومة على المستوى الدولي  حيث صدر القرار التنظيمي رقم 50 لعام 2004 والذي يحدد نظام المراكز الصحية  التابعة لمنظومة الرعاية الصحية الأولية والتي هي البنية الأساسية القانونية لاحتواء خدمات الصحة الإنجابية كما تم التعاون مع كل من الجهات الدولية التالية في هذا المجال  : منظمة الصحة العالمية – منظمة الأمم المتحدة للطفولة  (اليونيسيف) -  منظمة الأمم المتحدة – برنامج التعاون الياباني (جايكا ) والجدير بالذكر أن هذه المشاريع المنفذة من قبل تلك المنظمات اعتمدت وبالتعاون مع وزرة الصحة والجهات الوصائية  الأخرى بتنفيذ مسوحات ميدانية مع الجهات المستفيدة من هذه الخدمات لبيان احتياجاتها الفعلية.  وهذه المشاريع مجتمعة تهدف إلى تأسيس مجموعات عمل محلية على مستوى القطر بحيث تساهم في نشر الوعي لدى كافة فئات الشعب . كما  تقوم المراكز الصحية من مستوصفات ومراكز صحية ومستشفيات عامة  تابعة لوزارة الصحة بتقديم الخدمات والمواد اللازمة لتطبيق  برامج وتوصيات الصحة الإنجابية والتي ترتكز على تقديم الخدمات الطبية إلى الأمهات الحوامل وكذلك الأطفال الخدج .

 

ضمن هذا الإطار العام توجهنا إلى مشفى التوليد و الأمراض النسائية الجامعي بدمشق وحسب مشاهداتنا  : 

 

الوصف العام

 

يتوسط المشفى منطقة الحلبوني في دمشق ، ويعود تأسيسه الى فترة الخمسينات من القرن الماضي  وبالتالي فان البناء بحاجة الى عملية ترميم بدأت منذ ما يقرب السنتين  ولم تنتهي . وبالنظر الى موقعه الحالي والذي يعتبر من أكثر الأماكن ازدحاما في دمشق  . فإنه ليس بالموقع  المثالي لمستشفى  بالإشارة الى تلوث الهواء ومستوى الضجيج  والذي يمتد لساعات متأخرة من الليل ومعالجة هذا الأمر ليس في يد أو إمكانية  إدارة المستشفى .

تشير الوقائع إلى تنوع العيادات الخارجية و الخدمات الصحية شبه مجانية ، و بالتالي فهو ملاذ لذوي الدخل المحدود.

 

وفي لقاء مع الدكتور كنعان السقا مدير المشفى  أشار إلى العبء الملقى على عاتق المشفى من كثرة أعداد المراجعين الذي يفوق طاقة الكوادر الطبية و الإمكانيات المتاحة, وقد أشار الى الطاقة الاستيعابية التي تبلغ 219 سريرا  يشرف عليها كادر طبي مؤلف من أربعين أستاذا و متعاقدا و 276 ممرضا و ممرضة و 90 طالب دراسات سنة خامسة و سادسة، وقد بلغت نسبة الولادات الطبيعية في عام 2007 (   11053 حالة)،  والولادات  القيصرية ( 2706حالة) ،  أي بمعدل حوالي 38 حالة  ولادة يوميا على اعتبار أن المشفى يعمل بشكل دائم على مدار العام  . وقد بلغ عدد الوفيات 107 من الأطفال و ستة من الأمهات . وبالمقارنة مع النصف الأول من العام الجاري هناك  1879 ولادة قيصرية و 4727 ولادة طبيعية، ووفاة 26 طفلا و أربع أمهات مما يعني زيادة واضحة في العمليات القيصرية يتجاوز النصف تقريبا مقارنة بالعام الماضي و استمرار معدل الوفيات بنفس القدر ، و عليه يجيب د. السقا أن زيادة العمليات القيصرية متواترة عموما لوجود قيصريات سابقة مما يحتم تكرارها و عدم خضوع الأمهات لإشراف طبي أثناء الحمل و ذهابهن إلى الطبيب المختص، و اكتفاء البعض بالقابلة القانونية و غير القانونية مما يؤثر سلبا على صحة الأم و الجنين معا.

 

و عن حالات الوفاة يقول د. السقا: أغلب الوفيات هي حالات تأتي من خارج المشفى تعاني من نزوف أو تمزق رحم نتيجة ولادات غير صحيحة كما أشرت مما يؤدي لأضرار صحية قد لا نستطيع تداركها أحيانا، و هذا يستدعي تضافر الجهود و تكامل الحلقات بين المؤسسات المختلفة للوقوف أمام المسببات و معالجتها، فهناك أسباب خارجة عن إرادتنا كمشفى كالتعصب و الجهل، و المعتقدات الخاطئة، إضافة لتعاملنا مع الإمكانيات المتوفرة فمشفانا إضافة لمشفى الزهراوي، هما الوحيدان الحكوميان المخصصان  لتغطية دمشق و ريفها. في حين يؤكد الدكتور حسان الحموي رئيس الأطباء المقيمين في المشفى ما قاله مدير المشفى بل و يضيف بأن العناية المتوفرة في المشفى لا تجدوها في المشافي الخاصة، و بعض حالات الوفيات التي تحدث تأتينا من تلك المشافي.  و لدى سؤالنا عن حالات النفاس أجاب نافيا: من النادر أن يحدث هنا ذلك و يمكن أن يحدث التهاب الرحم النفاسي إذا أهملت المريضة أدويتها بعد العمل الجراحي، أو تجاهلت النظافة الشخصية ، كذلك يؤثر عدم التباعد بين الحمول سلبا على صحة الأم و الطفل معا.  و إلى ذلك تقول السيدة أسماء فتافت مديرة التمريض في المشفى: لدينا هنا  شركة تعقيم خاصة، و الحواضن حديثة و الأجهزة جديدة و جيدة، كما أن تكلفة  القسم الخصوصي هي رمزية بالمقارنة مع المشافي الأخرى. و نفتقد فقط لعيادة استشارية في القلبية و تحاليل الدم المركبة و  الصعبة و نحول المرضى في هذا الصدد إلى مشفى الأطفال ... علما أنه لدينا يوميا  ما بين أربعين الى خمسين ولادة.

 

التنظيم الإنجابي:

 

و نسأل إنعام الفروح 37 عاما حامل بتوأم في شهرها التاسع و لديها صبي و ابنتان:

ألا يكفي ثلاثة أولاد!

 

فتجيب: لا ... أريد صبيا آخر.

 

و عندما نستطلع عمل الزوج و كفايته المادية تتدخل  والدة الزوج بالقول: من الطنجرة إلى الحنجرة والرزق على الله. و يتشارك في البيت المؤلف من ثلاثة غرف عشرة أشخاص و راتب الزوج لا يتجاوز العشرة آلاف ليرة سورية. لكن الولد سند كما تقول الحماة شما الفروح و تشير إلى نفسها أنا حملت اثنا عشرة مرة و لي سبع بنات و صبيين و ها أنا بعد وفاة زوجي يعيلني أينائي فالولد سند يا عيني...

 

أما شريفة فاضل الخضر 35 عاما متزوجة منذ خمس عشرة عاما أنجبت خلالها صبيين و بنتين، و لديها مشاكل صحية و هذه العملية  القيصرية رقم 6 بالنسبة لها، يعمل زوجها سائق تكسي و تبوح لنا بأنها ستحمل مرة أخرى إذا كانت العملية ناجحة فهي تحب الأولاد كثيرا.

 

و لكن عيدة العلي المصابة بانسداد مشيمة مركزي و لديها خمسة أطفال وهي لا تعرف عمرها بدقة و تعلل ذلك بأنها أمية لا تجيد القراءة و  الكتابة و تشير حائرة بين الخامسة و الثلاثين و الأربعين من العمر (لا أدري) و لا تختلف أم عيسى كما قدمت نفسها عن عيدة العلي   فلديها ثلاث بنات و صبيان و ترى أن الأولاد "رزقة و سند" و أن زينة الحياة الدنيا المال و البنون (فإذا ما كان فيه مال ما يكون فيه عيال ...)

 

و هؤلاء النسوة يعتقدن جميعا أن أرزاق الأطفال تولد معهم و" ما هو مكتوب على الجبين ستراه العين،" فارتفاع نسبة الأمية خاصة في المناطق الريفية و افتقاد الحد الأدنى من الوعي الإنجابي، و رسوخ المعتقدات الخاطئة كل ذلك يسهم في مشكلات التواتر الإنجابي و عدم التنظيم الأسري الذي يترك آثارا اجتماعية و اقتصادية و نفسية على الأمهات و أطفالهن و للغوص في الجانب النفسي أكثر توجهنا إلى الدكتورة مرسلينا حسن شعبان الاختصاصية في تحليل الشخصية و اضطراباتها بسؤال عن تأثير تواتر الحمول على صحة الوالدين و الأطفال فأجابت: إن كثرة الأولاد هي عبء مادي و صحي و عاطفي. و زيادة الإنجاب يعني زيادة في الحاجات و تتضارب هذه الحاجات مع الزيادة المتواترة، فنجد الأسر لا تستطيع تلبية احتياجات أبنائها ، و  المسألة نسبية بالتأكيد. ولكن لا تستطيع الأم مبدئيا أن تكون بكامل طاقتها مع أولاد كثر خاصة إذا كانت عاملة. و لا شك أن زيادة عدد الأولاد تباعا يحرم الطفل من بناء علاقة صحيحة مع أبويه و أخوته فلا وقت للمتابعة أو التواصل مع القيم. كما أن للثقافة  دور هنا في مسألة مشاركة الزوج زوجته الهم التربوي . هناك عوامل عديدة و منها عدم قدرة الزوجة أحيانا في التصريح عن رغباتها حول فترات الحمل فتتحول إلى أداة تفريخ تنفيذية .  و في العرف الاجتماعي، الخصوبة هي نقطة   قوة للمرأة. فأم الأولاد تشعر بالأمان نظرا لصعوبة الطلاق على الزوج في مثل هذه الحالة . و أحيانا تجبر المرأة على تأزيم الرجل وجدانيا لتثبت وجودها في العائلة وقد لا تكون جاهزة للأمومة فتشكل عبئا على زوجها. و التوصيفات بأكملها يلخصها غياب الوعي الإنجابي و رسوخ مفاهيم خاطئة مدعومة بتشريعات قانونية قديمة المادتين 523 و 524 من المرسوم التشريعي لعام 1949 و الذي ينص على عقوبات مادية و جنائية على أية دعاية لوسائل منع الحمل أو التحريض على الإجهاض.

 

ما الذي يجب عمله؟

 

يجب وضع برامج  مختلفة للصحة الإنجابية: لترشيد الإنجاب وهي تشمل طبيب المرأة أو طبيب الأسرة  أو رجال الدين من المهيئين لإعطاء النصائح .

 

هواجس و تطلعات:

 

يحتاج التنظيم الأسري إلى قرار طوعي من الزوجين و فقدانه يؤدي لتداعيات اقتصادية و صحيحة و نفسية على الأسرة و هذا ما يؤكده تقرير الورشة الإعلامية التي أنهت أعمالها مؤخرا في دمشق و التي أقيمت بالتعاون بين وزارة الإعلام و صندوق الأمم المتحدة للسكان " لجميع الأفراد الحق قي التمتع بالحقوق و الحماية على قدم المساواة"، و هذه الفكرة كما يؤكد التقرير أساسية لرسالة صندوق الأمم المتحدة للسكان و طريقته في العمل حتى لا يمكن للأشخاص أن يمارسوا حق الصحة الإنجابية ممارسة كاملة ما لم تتوفر السلع الضرورية لذلك من وسائل منع الحمل إلى مجموعة الاختبار إلى معدات رعاية الأولاد في الحالات الطارئة.

و علينا التنبه خلاصة لأهمية هذا الموضوع، و بالتالي هناك حاجة ملحة لتأهيل الكوادر المتخصصة، و رفع نسبة الحوافز للأطباء و العاملين في المشافي و إحداث مراكز تخصصية و مشافي صغيرة كما أسماها د. السقا و إحداث مراكز تخصصية و مشافي صغيرة للمراجعين و الحد من ظاهرة الولادات غير الرحيمة في المناطق الريفية و حث وسائل الإعلام العامة والخاصة على تركيز توجهاتها في هذا الجانب لإنجاز خطوات حقيقية في التنظيم الإنجابي.

 

في نهاية جولتنا، خرجنا من المشفى و لكنه لم يخرج منا و نحن نفكر  كيف سنقدم خدمات الصحة الإنجابية لأمهات يحلمن و يتزوجن و يلدن  و يمتن بصمت جارح .

 

محمود السرساوي

أمل سليمان معروف

ثورة الصموعة




العودة لقائمة القصص
 
 
Skip Navigation Links
صندوق الأمم المتحدة للسكان
صندوق الأمم المتحدة للسكان في سوريا
البرنامج القطري
النشاطات
أخبار
الاتصالات
المنشورات
وصلات المواقع ذات الصلة
الإعلانات
الفرص
معرض الصور
المساعدة و الأسئلة المتكررة